عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
170
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
( 55 ) سورة الرحمن مكية أو مدنية أو متبعضة وآيها ثمان وسبعون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَه الْبَيانَ ( 4 ) * ( الرَّحْمنُ ) * * ( عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) * لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها ب * ( الرَّحْمنُ ) * ، وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ، فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوحي وأعز الكتب ، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها ، ثم أتبعه قوله : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ ) * * ( عَلَّمَه الْبَيانَ ) * إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان ، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع ، وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة ل * ( الرَّحْمنُ ) * عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد . الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) * ( الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ) * يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما ، وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات ، ويعلم السنون والحساب . * ( وَالنَّجْمُ ) * والنبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له . * ( والشَّجَرُ ) * الذي له ساق . * ( يَسْجُدانِ ) * ينقادان للَّه تعالى فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا ، وكان حق النظم في الجملتين أن يقال : وأجرى الشمس والقمر ، وأسجد النجم والشجر . أو * ( الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ) * له ، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما ب * ( الرَّحْمنُ ) * ، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعارا بأن وضوحه يغنيه عن البيان ، وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره . والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) * ( وَالسَّماءَ رَفَعَها ) * خلقها مرفوعة محلا ومرتبة ، فإنها منشأ أقضيته ومتنزل أحكامه ومحل ملائكته ، وقرئ بالرفع على الابتداء . * ( ووَضَعَ الْمِيزانَ ) * العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه ، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه السلام « بالعدل قامت السماوات والأرض » . أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما ، كأنه لما وصف السماء بالرفعة من حيث إنها مصدر القضايا والإقدار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب . * ( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ) * لئلا تطغوا فيه أي لا تعتدوا ولا تجاوزوا الإنصاف ، وقرئ « لا تطغوا » على